ما هي أسباب البدانة في قطر وما هو العلاج الناجع؟

إنني أزور المدارس في الدوحة من أجل أن أشرح للطلاب عن فوائد تناول الفاكهة والخضار، ولكنّ الأطفال ينظرون لهذا الأمر نظرة دونية، حيث أنهم يعتبرون الفاكهة والخضار غذاءً للفقراء فقط، وذلك لأن هناك أنواعاً من الخضار مثل الخيار أو الجزر تُعتبر رخيصة جداً.

تصدر هذه الكلمات عن غانم السليطي، وهو يجلس على مقعد خشبي أمام “أيفرغرين أرغانيكس”، المقهى الذي يقدم الطعام النباتي فقط، والذي أسسه السليطي في عام ٢٠١٦ في عاصمة قطر الدوحة. يوجد بجانب هذا الرجل — وعمره ٢٦ سنة — حاسب محمول “ماك بوك” وكوب عصير أخضر. بدأ السليطي في مهمة تغيير عادات الأكل وأنماط الحياة في وطنه.

الكيكة هي واحد من الانواع المتعددة من الاكل المتوفرة بشكل واسع في الدوحة. تصوير: ليزي بورتر

كانت قطر محمية بريطانية فقيرة سابقاً، حتى اكتشاف النفط فيها في عام ١٩٣٩. وخلال السبعين سنة الماضية، أصبحت قطر واحد من أغنى بلدان العالم. يبلغ متوسط دخل الفرد فيها ١٢٨،٠٦٠ دولاراً أميريكياً بالمقارنة مع متوسط دخل الفرد في المملكة المتحدة، الذي يبلغ حسب الاحصاءات ٤٢،٥٦٠ دولاراً أمريكياً. ولكن ترافق هذا الغنى الفاحش بمشاكل صحية خطيرة، بأنّ ما يفوق سبعون في المائة من المواطنين القطريين بدينين، وتشير الإحصاءات إلى أنهم بين الناس الأكثر بدانة على الكوكب، وفقاً لإحصاءات من منظمة الصحة العالمية، وبالإضافة الى ذلك، يعاني سبع عشرة بالمائة من الناس من مرض السكر، وهو ما يعادل ضعف المعدل العالمي لهذا المرض ومردّه جزئياً نسبة العالية البدانة.

تقول الطبيبة مونيكا سكاروليس، مديرة المركز القومي لعلاج البدانة، والذي افُتتح أبوابه في الدوحة في عام ٢٠١٧ تحت إدارة نظام الرعاية الصحية، إنّ :”نعترف أنّه يجب أنْ نقوم بإجراءات عاجلة ، فلدينا مشكلة بين الأجيال وستكون مكلفة في العديد من الطرق على المستويين الشخصي والاجتماعي”.

تُوفر الواجهات السريعة بشكل واسع في قطر. تصوير: ليزي بورتر

لقد نتج الوضع الحالي الصعب في منطقة الخليج (بالإضافة إلى قطر، فإن كلاً من المملكة العربية السعودية والكويت يُعانيان‎ من مستويات عالية من البدانة لدى مواطنيهما) تبعاً لمجموعة من الظروف الفريدة من نوعها. يمازَج الولع للوجبات السريعة الأمريكية مع التقاليد الثقافية التي تغني الولائم باللحوم. كما تقيد السيارات عادات الحياة وذلك بسبب درجات الحرارة المرتفعة والتي تقارب الخمسين درجة في الصيف، ما يجعل المشي مستحيلاً. وبسبب موقع الخليج في مركز منطقةٍ تجارية فتكثر المنتجات الغذائية في الأسواق: مثل النوغة وهي حلوى بيضاء مع فستق من إيران، بالإضافة إلى الحلويات الملوّنة من الهند والبقلاوة من سوريا. فلا تقتصر المشكلة على القطريين فقط، وهكذا كثيراً ما يقال إنّ المغتربين يزيدون وزنهم بمعدل ستة كيلوغرامات مباشرةً بعد وصولهم إلى قطر.

ملصقاً مع معلومات عن مرض السكر في قطر. تصوير: ليزي بورتر

بدأت السلطات القطرية بمواجهة الاشكالية المكلفة الناتجة عن البدانة، حيث يوجد الكثير من الطلبات للخدمات المتوفرة (مجاناً أو بأسعار مقبولة) في المركز القومي لعلاج البدانة، وبالتالي تصل إليه حوالي خمسمائة إحالة كل شهر. نرى في غرفة الاستقبال النساء ينتظرن دورهن و هنّ مرتديات النقاب، في حين تتفتق أزرار أثواب الشباب الواقفين بجانبهن.

على الرغم من كل شيء، يلمس فريق مونيكا سكاروليس نتائج إيجابية على المرضى. خلال الثمانية الشهور الماضية، خففت مونيشا غكهار والبالغة من العمر ثلاث وخمسون سنة، خففت من وزنها خمسة عشر كيلو غراماً وذلك بفضل توجيهات من “نور سليمان” طبيبة الغدد الصماء في المركز، وذلك بعد أن سمعت مونيشا تحذيرات الأطباء بأنها قد بدأت تعاني من أعراض مرض السكري الأولى.

كنت في حاجة لإنقاص وزني فوراً”، هذا ما صرحت به مونيشا. “والآن لدي ثقة بنفسي، وألبس ملابس مختلفة، ولست خمولةً كل الوقت، مثل ما كنت سابقا.

بدأت أن تنتشر رَغْبَة التناول الطعام النباتي في الدوحة. تصوير: ليزي بورتر

وغير ذلك، توظف نخبة قطر من المتخصصين في مكافحة الشحوم. فمثلاً في النادي الدبلوماسي في شمال الدوحة، يرفع الشيخ خليفة الثاني الاوزان تحت مراقبة مدربه الخاص، حسام ذميد.

“أمارس الكثير من الكارديو وأسيطر على أكلي”، يقول الشيخ، وهو صاحب شركة متخصصة في أعمال البناء من جهة والسياحة من جهة أخرى. ويقول إنّ، “أوقفت أكل الوجبات السريعة وشرب المشروبات الغازية، وخففت أكثر من خمسٍ و عشرين كيلو غراماً وأشعر أنّ حسام أصبح فرداً من عائلتي فهو يتقن عمله جيداً “.

تواجه قطر الكثير من التحديات بالنسبة لتغيير الأنماط غير الصحية والتي أدت إلى النتائج السيئة والموثقة في إحصائيات الصحة العامة في البلد.

مول في الدوحة. تصوير: ليزي بورتر

نرجع إلى غانم السليطي صاحب “أيفرغرين أورغانيكس”، ومن بعض الحيان يواجه انتقادات بالنسبة لتفضيله للخضروات بدلاً من اللحوم، لكن لديه رد إلى الانتقادات، قائلاً إنّ، “يأتي إلي الكثير من الناس قائلين أنني أحارب التقاليد والثقافة وهذه ليس شيئاً جيداً، لكن في الماضي كان يأكل مقيمي قطر الكثير من الحبوب والخضروات والبلح والفواكه. أما اللحوم فكانوا يأكلونها نادراً، بسبب عدم توفرها بالإضافة إلى سعرها المرتفع. كان بلدنا فقيراً في ذلك العهد. أظن أنّ الناس لا يدركون ذلك الآن

Journalist based in Iraq.

Get the Medium app

A button that says 'Download on the App Store', and if clicked it will lead you to the iOS App store
A button that says 'Get it on, Google Play', and if clicked it will lead you to the Google Play store